ابن عربي
94
شجون المسجون وفنون المفتون
في سواها ، ثمّ أمرها بشرائعه ونهاها . فإذا تركت هاهنا لذّاتها ، وتجرّدت عن إرادتها ، فذلك أخصّ حالاتها ، لأنّها إنّما تركت ذاتها فلم تحتجب هناك بها عن رؤية ربها ، وذلك هو نهاية المرام ، وتمام الكلام ، وإنّ لها في عالم الجسم حالات لا تحدّ ، ومقامات « 1 » لا تعدّ ، في دائرة أبدا ولا تردّ ، وكلّما دارت دورة [ 25 / آ ] منها ظهرت لذاتها بذاتها ، واختفت عنها لعلوّ صفاتها ، فربّما ظنّت إيّاها فاعلا ومفعولا ، فليست من الكبر « 2 » رداء يرديها ، ويحجبها بما فيها ، فيطلع عليها بارئها فيهديها ويداويها ، ثمّ يدبّرها ويريها « 3 » ، فإذا دارت ثانيا رأت مارأته باديا ، لكنّه في رتبة أعلى ، ومحلّ أجلى وأحلى ، فلّما علت إذ دنت ، قامت في مقامها ، وادّعت فعاد سبحانه عليها برحمته عليها ، وهداها بما لديها ، ثمّ سلّم زمامها إليها ، فلم تزل على هذا المنوال دائرة بهذا الحال ، وما ذلك إلّا لأنّ من سوسها أنّها متى انفصلت عن لذّاتها ، واتّصلت بذاتها ، ونزعت إلى كمالها ، وبزغت في جمالها ، وتحلّت بصفاتها ، وتجلّت على ذاتها ، شاهدت إيّاها في كلّ ما سواها ، فاستلذّت لذّة عجيبة لا تحصرها الألسن ، ولا تشاهد بالأعين ، ومع هذا كلّه متى لم تكن معصومة بالنّبأ العظيم ، مهديّة إلى الصّراط المستقيم ، فإنّها على ما هي عليها محجوبة عن معنى المعاني ، قد اشتبه عليها الأوّل بالثاني ، ثمّ إنّها ربّما رقّت ، فترقّت ، فدارت بادية ، وعادت غادية ، فدخلت من غير الباب ، ولبست غير تلك الثّياب ، ثمّ نظرت فيما قطعت فوجدته الآن جرعة من شرابها بل سنة من سرابها ، فتوارت في أحلامها ، وقامت كما قامت قبل في مقامها ، ولكنّها فتنت بأنّها تشاهد في سائر الصّفات ، ومجموع الحالات صور المثالات مجموعة ومفرقة ، كلّية وجزئيّة ، ظاهرة وباطنة تنطق بالأحديّة ، وتشهد بالأزليّة الأوّلية ، فلّما شهدت شهاداتها في مرآة ذاتها ، مالت حينئذ إليها ، ووقفت ذاتها
--> ( 1 ) فمن مقاماتها القرآنية ، النفس الأمارة ، والنفس الملهمة ، والنفس اللوامة ، والنفس المطمئنة ، النفس الراضية ، والنفس المرضية . ( 2 ) في م : « الكبرياء » . ( 3 ) ليس في م .